ابن ميثم البحراني
156
شرح نهج البلاغة
وهذا الفصل مع قلَّة ألفاظه يشتمل على لطائف : فالأولى : أنّ الدنيا منتهى بصر الأعمى شيئا . واستعار لفظ الأعمى للجاهل كقوله تعالى « فإنها لا تعمى الأبصار لكن تعمى القلوب التي في الصدور » ( 1 ) ووجه الاستعارة أنّ الجاهل لا يدرك بعين بصيرته الحقّ كما لا يدرك الأعمى من المبصرات ، وأشار بقوله : لا يبصر من ورائها شيئا إلى جهله بأحوال الموت وما بعده من سعادة الآخرة وشقاوتها . فإن قلت : إنّه أثبت للأعمى العمى ، وأثبت أنّه يبصر الدنيا وذلك نوع مناقضة . قلت : إنّه لمّا أراد بالأعمى أعمى البصيرة وهو الجاهل استعارة لم يكن في إثبات البصر الحسّى له ونظر الدنيا به مناقضة ، ويحتمل أن يريد ببصره أيضا بصر بصيرته استعارة ، وظاهر أن منتهى بصر بصيرة الجاهل التصرّف في أحوال الدنيا وكيفيّة تحصيلها والتمتّع بها دون أن يفيده عبرة لما ورائها من أحوال الآخرة . الثانية : قوله : والبصير ينفذها بصره استعار لفظ البصير للعالم ، ونفوذ بصره كناية عن إدراكه ما وراء الدنيا من أحوال الآخرة وعلمه أنّها دار القرار . الثالثة : قوله : فالبصير منها شاخص أي راحل مسافر قد جعلها طريقا له إلى الآخرة ، والأعمى إليها شاخص : أي متطلَّع إليها بعين بصيرته ووهمه وإن كان أعمى عن مصالحه الحقيقيّة وعن آفاتها وطرقها المخوفة ، وفي هذه الكلمة مع الَّتي قبلها من أقسام البديع التجنيس التامّ والمطابقة بين الأعمى والبصير . الرابعة : قوله : والبصير منها متزوّد أي بالتقوى والأعمال الصالحة في سفره إلى اللَّه تعالى ، والأعمى لها متزوّد : أي متّخذ للذّاتها وقيناتها زادا له في قطعها مدّة عمره قد جعل ذلك هو الزاد الحقيقيّ والكمال الَّذي ينبغي له وهي في البديع كالَّتي قبلها . وباللَّه التوفيق .
--> ( 1 ) 22 - 45 .